السكَّري Diabetes حالة مرضية مزمنة تُسبِّب ارتفاعَ مستوى السكّر في الدم (أو ما يُسمّى الغلوكوز glucose) فوق الحدود الطبيعية. يُعدُّ هرمون الأنسولين insulin الذي يُفرزه البنكرياس pancreas هُرْمونًا مهمًّا مسؤولًا عن التحكّم بمستويات الغلوكوز في الدم وضبطها وتنظيمها. يمكن أن يُسبّب الارتفاع المستمرّ أو المزمن لمستوى السكَّر في الدم أضرارًا بالغةً لأعضاء الجسم على المدى الطويل.
يقوم الأنسولين في الحالة الطبيعية بما يأتي:
يفكّك الجسمُ الطعامَ الذي تتناوله إلى الغلوكوز الذي يعدّ المصدرَ الرئيسي للطاقة في جسمك. يدخل الغلوكوز إلى مجرى الدم، ممّا ينبّه البنكرياس لإفراز الأنسولين. يساعد الأنسولين على دخول الغلوكوز الموجود في الدم إلى الخَلايا العضلية والدهنية والكبدية حتّى تتمكّن من استخدامه للحصول على الطاقة أو تخزينه لاستخدامه لاحقًا. عندما يدخل الغلوكوز إلى خلاياك، وتنخفض مستوياته في الدم، فإنه ينبّه البنكرياس للتوقّف عن إنتاج الأنسولين. إذا لم يكن لديك ما يكفي من الأنسولين، يتراكم الكثير من السكّر في دمك، ممّا يسببّ ارتفاعه، ولا يستطيع جسمك استخدام الطعام الذي تتناوله للحصول على الطاقة. وهذا ما يمكن أن يؤدّي إلى مشكلات صحّية خطرة أو حتّى إلى الوفاة إذا لم تُعالج هذه الحالة المَرضية. يحتاج المصابون بداء السكّري إلى أدوية تزيد من إفراز الأنسولين أو تعزَّز الاستجابة له في المرحلة الأولى من مراحل المرض، ولكن قد يحتاجون إلى الأنسولين التركيبي الخارجي كلّ يوم في مرحلة متأخّرة من المرض للعيش والتمتّع بصحّة جيّدة.
السكريّ الحملي gestational diabetes هو أحد أنواع الداء السكّري، حيث يُصيب النساءَ خلال الحمل، ويظهر خلال الثلث الثاني أو الثالث منه (بعدَ الأسبوع 28)، ثمّ يزول بعدَ الولادة عادةً. وتكون النساء اللواتي أُصبنَ بالسكّري الحملي (خلال حملهنّ) أكثرَ عُرضةً للإصابة بالسكَّري من النوع الثاني لاحقًا. ولا بدّ هنا من التفريق بين حدوث الحمل عند مريضة مصابة بالسكّري، وحدوث السكّري أوّل مرّة خلال الحمل. وحديثنا هنا عن الحالة الثانية.
معدّل الوقوع والانتشار
يُعدُّ السكَّري الحملي من الحالات الشائعة، وقد تصل نسبةُ إصابة النساء الحوامل بالسكّري الحملي في بعض البلدان إلى 18 في المائة. أمّا على مستوى جميع أنحاء العالم فيُعتقَد أنّ حوالي 14 في المائة من النساء الحوامل مُصابات بمرض السكّري الحملي، غير أنّ الفروق في أساليب التحرّي ومَعايير التّشخيص تؤدّي إلى تقديرات متباينة. وبشكل عام، هناك زيادة في معدّل حدوثه وانتشاره بين الحوامل.
تشير الدراسات إلى أنّ انتشارَ مرض السكّري الحملي في المملكة العربية السعودية مرتفع مقارنةً بالدول الأخرى. وقد ارتبط ذلك بتقدّم سنّ الأم وزيادة قيم مؤشّر كتلة الجسم (زيادة الوزن).
الأسباب وعوامل الخطر
ينجم مرض السكّري الحملي عن التغيّرات الهرمونية والطريقة التي يحول بها جسمك الطعامَ إلى طاقة. يقوم هرمون الأنسولين بتفكيك الغلوكوز (السكّر) من الطعام وتوصيله إلى خلاياك. يحافظ الأنسولين على مستوى الغلوكوز في الدم عند مستوى صحّي طبيعي. ولكن إذا لم يعمل الأنسولين بشكلٍ صحيح، أو لم يكن لديك ما يكفي منه، يتراكم السكّر في دمك ويؤدي إلى مرض السكّري.
في أثناء الحمل، يمكن أن تتداخلَ بعض الهرمونات التي تطلقها المَشيمة (الإِسْتروجين والكُورتيزول ومُوَلّد اللَّبَنِ المشيمي البشري human placental lactogen) مع طريقة عمل الأنسولين وتعاكسه، ويبدأ ذلك في الأسابيع 20 إلى 24 من الحمل تقريبًا؛ وهذا ما قد يتسبّب في تراجع قدرة الأنسولين على تنظيم مستويات السكّر في الدم كما ينبغي. ومع نموّ المشيمة، يزداد إنتاج هذه الهرمونات، ويصبح خطرُ مقاومة الأنسولين أكبر. وفي الحالة الطبيعية، يكون البنكرياس قادرًا على إنتاج المزيد من الأنسولين للتغلّب على مقاومة الأنسولين، ولكن عندما لا يكون إنتاج الأنسولين كافيًا للتغلّب على تأثير هرمونات المشيمة، يحدث مرض السكّري الحملي.
من هُنّ النساء المعرّضات لخطر الإصابة بالسكّري الحمل؟
يمكن أن تُصابَ أيّ حامل بالسكّري الحملي؛ ولكن قد تزيد بعض العوامل من خطر إصابتها به:
– السمنة أو زيادة الوزن قبلَ الحمل.
– التاريخ الشخصي لمرض السكّري الحملي (في حالات الحمل السابقة) أو ولادة طفل سابق يزيد وزنه على 4 كغ.
– التاريخ العائلي لمرض السكّري من النوع الثاني.
– مُتَلازمة المَبيض المُتَعَدِّد الكيسات (متلازمة تكيّس المَبِيضين) polycystic ovary syndrome.
– تقدّم سنّ الأم (أكثر من 25 سنة).
– مقدّمات السكّري (تاريخ من ارتفاع سكّر الدم عن المستوى الطبيعي).
الأعراض والعلامات
لا توجد علامات تحذيرية واضحة لمرض السكّري الحملي عادةً، أو تكون الأعراضُ خفيفة وغالبًا ما تمرّ دون أن يلاحظها أحد حتى يقوم مقدّم الرعاية في أثناء الحمل بفحصك للتأكّد من إصابتك بمرض السكّري الحملي أو يُكتشَف المرضُ خلال الموعد الأوَّل للحامل من خلال تحرّي الغلوكوز في الدم ما بين الأسابيع 8-12 من الحمل. تُجرى اختباراتٌ كاملة للمرأة المُعرَّضة لخطرٍ مرتفع للإصابة بالسكَّري الحملي، ويكون ذلك خلال الأسابيع 24-28 من الحمل عادة.
قد يؤدِّي ارتفاعُ نسبة الغلوكوز في الدم (ارتفاع سكّر الدم) إلى ظهور بعض الأعراض، مثل:
– جفاف الفم، مع زيادة الشعور بالعطش.
– الحاجة إلى التبوُّل بشكل متكرِّر، لاسيّما خلال الليل.
– الشعور بالإرهاق والتعب.
– تكرُّر الإصابة بحالات العدوى، مثل العدوى الفطريَّة بداء المبيضات الفموي (السُّلاق) thrush.
– تشوُّش الرؤية.
– الغثيان.
التشخيص
توصي الرابطة الأمريكية للسكّري بتحرّي مرض السكّري غير المشخّص في أوّل زيارة ما قبل الولادة للنساء اللاتي لديهن عوامل خطر الإصابة بالسكّري. أمّا بالنسبة للنساء الحوامل اللاتي لا يُعرف عنهنّ إصابتهنّ بهذا المرض، فيجب إجراء اختبار للسكّري الحملي في الأسابيع 24 إلى 28 من الحمل.
وبالإضافة إلى ذلك، يجب تحرّي مستوى سكّر الدم عندَ النساء اللواتي شُخِّصت إصابتهنّ بالسكّري الحملي بحثًا عن السكّري المستمرّ أو المزمن بعدَ 6 إلى 12 أسبوعًا من الولادة. كما يُوصَى بأن تخضع النساء اللواتي لديهن تاريخ للسكّري الحملي للتحرّي طوالَ الحياة بحثًا عن حدوث مرض السكّري من النوع الثاني أو ما قبل السكّري (مقدّمات المرض) كلّ ثلاث سنوات على الأقلّ.
المعالجة
يحدّد الطبيبُ المعالجةَ المناسبة لمرض السكّري الحملي بناءً على:
– عمر الحامل وصحّتها العامّة وتاريخها الطبّي.
– شدّة المرض.
يمكن في البداية ضبطُ السكَّري الحملي من خلال الالتزام بنظامٍ غذائي مناسب وممارسة النشاط البدني مع مراقبة سكّر الدم ومراقبة حالة الجنين بشكل منتظم؛ إلاَّ أنَّه من الضروري أن تستعملَ بعضُ النساء الأدويةَ (الميتفورمين) أو الأنسولين للحفاظ على مستويات السكّر في دمهنَّ ضمن الحدود الطبيعية، ويكون ذلك بحسب ما يراه الطبيب المختصّ.
ويعدّ الترطيب (الإماهة) hydration أمرًا مهمًّا خلال الحمل، لاسيّما إذا كانت الحامل مصابة بالسكّري الحملي؛ حيث يساعد الحفاظ على ترطيب الجسم على تنظيم سكّر الدم، فهو يفيد في تخفيف لزوجة الدم، ممّا يسهّل على الكليتين التخلّص من السكّر الزائد. كما يمكن أن يساعد الماءُ الجسم على استخدام الأنسولين بشكل أكثر فعّالية، ما يسهم في تنظيم سكّر الدم أيضًا.
إذا لم يُكتَشَف السكري الحملي في الوقت المناسب ولم يُعالَج، فإنَّ ذلك قد يؤدِّي إلى زيادة في خطر حدوث مضاعفاتٍ لدى الأمّ والمولود.
إذا كانت الحامل تتحرّى مستوى السكّر في الدم، فإن الرابطة الأمريكية للسكرّي تقترح الأرقام الطبيعية اللاحقة لدى معظم النساء المصابات بالسكّري الحملي:
– قبل الوجبة: 95 ملغ/100 مل أو أقلّ.
– بعد ساعة واحدة من الوجبة: 140 ملغ/100 مل أو أقلّ.
– بعد ساعتين من الوجبة: 120 ملغ/100 مل أو أقلّ.
المضاعفات
يمكن أن يؤدّي عدمُ القدرة على الحفاظ على مستويات سكّر الدم ضمن المجال الصحّي إلى مضاعفات عندَ الأمّ والجنين؛ فالسكّري الحملي يزيد من خطر التعرّض لما يأتي:
– الولادة القَيْصرية (إذا أصبح الجنين كبيرًا جدًّا).
– مقدّمة الارتعاج أو الانسمام الحملي Preeclampsia (ارتفاع ضغط الدم خلال الحمل).
– الأمّهات اللواتي يُصبنَ بالسكّري الحملي هنّ أكثر عرضة للإصابة بالسكّري من النوع الثاني في وقت لاحق من الحياة.
كيف يؤثّر السكّر الحملي في الجنين؟
إذا كنتِ مصابة بالسكّري الحملي، فإنّ طفلك يكون أكثر عرضةً لما يلي:
– زيادة الوزن عند الولادة (ضخامة الجنين).
– مشكلات التنفّس عند الولادة.
– نقص سكّر الدم بعد الولادة، وهو ما يمكن أن يسبّب نوبات صرعية عند الأطفال حديثي الولادة. ولذلك، لا بدّ من مراقبة سكّر الدم عن كثب خلال الولادة. وقد يُعطى الأنسولين للحفاظ على مستوى السكّر في دم الأمّ ضمن المجال الطبيعي للوقاية من انخفاضه في دم الطفل بشكلٍ مفرط بعد الولادة.
– السمنة.
– الولادة المبكّرة (الخداج).
– السكّري من النوع الثاني في وقت لاحق من الحياة.
الوقاية
لا يمكن الوقاية من السكّري الحملي تمامًا، ولكن يمكن اتّخاذ خطوات لتقليل احتمال الإصابة به. يعدّ تناول وجبات متوازنة وصحّية وممارسة التمارين الرياضية بانتظام قبل الحمل وفي أثنائه والحفاظ على وزن صحّي (قبل الحمل) أفضلَ الطرائق لتقليل خطر حدوث هذا المرض.
المراجع
http://www.nhs.uk/conditions/gestational-diabetes/Pages/Introduction.aspx
https://bmcpregnancychildbirth.biomedcentral.com/articles/10.1186/s12884-024-06378-2
https://smj.org.sa/content/41/2/144
https://my.clevelandclinic.org/health/diseases/9012-gestational-diabetes
https://www.hopkinsmedicine.org/health/conditions-and-diseases/diabetes/gestational-diabetes
https://www.niddk.nih.gov/health-information/diabetes/overview/what-is-diabetes/gestational
https://www2.hse.ie/conditions/gestational-diabetes/treatment/

