سرطان الجلد

يعدّ الجلدُ أكبرَ عضو في الجسم؛ وهو يَقِي من التأثيرات الضارّة للحرارة والبرودة وأشعّة الشمس والعدوى. كما يساعد على تنظيم حرارة الجسم، ويختزن الماء والدهون، ويساعد على تكوين الفيتامين د.

يتألَّف الجلدُ من طبقتين رئيسيّتين: طبقة خارجية أو ظاهرة هي البَشَرَة epidermis وطبقة داخلية أو باطنة هي الأدَمَة dermis. تتكوّن البشرة بشكل رئيسيّ من خلايا مسطّحة تشبه الحراشف، تسمّى الخلايا الحَرشَفِيّة أو الوَسفيّة. وتوجد، تحت هذه الخلايا، خلايا مدَوّرة تُسمّى الخلايا القاعديّة basal cells. كما يحتوي الجزءُ العميق من البشرة على خلايا تُسمّى الخلايا الميلانينيَّة، وهي خلايا صِباغيّة تُنتج مادة تُسمّى الميلانين أو القَتامِين، وهو الصِّباغ الذي يعطي الجلدَ لونه الطبيعيّ، ويختلف ذلك باختلاف الأعراض. تُنتج الخلايا الميلانينيّة كمِّيات أكبر من الميلانين عندما يتعرَّض الجلدُ لأشعَّة الشمس، مِمَّا يؤدّي إلى اسمراره أو زيادة في لونه.

أمّا الطبقة الداخلية أو الباطنة من الجلد، أي الأدمة، فتحتوي على أوعية دموية ولمفيّة وجُريبات شعريّة وغدد. تقوم هذه الغُدد بإنتاج العَرَق الذي يساعد على تنظيم حرارة الجسم، كما أنّ بعضَها يُنتج ما يُسمّى الزُّهم sebum، وهو مادّة زيتيّة تساعد على حفظ الجلد من الجفاف، حيث يخرج العرقُ والزُّهم إلى سطح الجلد عبر فتحات صغيرة تُسمّى المَسام pores.

سرطان الجلد skin cancer مرضٌ يقوم على نموّ خلايا الجلد بشكل شاذّ أو غير طبيعي. مع تقدّم الخلايا الجلدية في العمر وموتها، تتكوّن خلايا جديدة لتحلّ محلّها. ولكن، عندما لا تسير هذه العملية كما يجب – بعدَ التعرّض للأشعة فوق البنفسجية من الشمس مثلًا – تنمو الخلايا بشكل أسرع من المعتاد. قد تكون هذه الخلايا غير سرطانية (حَمِيدة)، لا تنتشر أو تسبّب ضررًا. أو قد تكون سرطانية.

قد ينتشر سرطان الجلد إلى الأنسجة المجاورة أو مناطق أخرى في الجسم إذا لم يُكتَشف مبكّرًا. ولحسن الحظّ، إذا أمكن كشفُ حالات سرطان الجلد ومعالجتها في مراحل مبكّرة قبل أن يخترق الجلد، يشفى معظمها دون حدوث ندبات أو تكون الندبات خفيفة، مع احتمال عالٍ للقضاء عليه تمامًا. لذلك، من المهمّ مراجعة الطبيب عندَ الاشتباه بأيّ علامات دالّة على شيء غير طبيعي أو غير مألوف في الجلد.

البقعُ الشمسية أو النَّمَشات مناطقُ صغيرة من فرط التصبّغ، حميدة وغير ضارّة بشكل عام (مع أنّها قد تكون قبيحة المنظر). تحدث هذه البقعُ بسبب التعرّض المديد لأشعّة الشمس، ممّا يحرِّض الخلايا المنتجة للصباغ في الجلد (الخلايا الميلانينية) على إنتاج المزيد منه في منطقة صغيرة مركّزة، وتظهر على الوجه وغيره من المناطق.

أنواع سرطان الجلد

توجد ثلاثة أنواع رئيسيّة لسرطان الجلد:

– سرطانة الخلايا القاعدية basal cell carcinoma: تتكوّن في الخلايا القاعدية في الجزء السفلي من البشرة (الطبقة الخارجيّة من الجلد).

– سرطانة الخلايا الحرشفيّة squamous cell carcinoma: تتكوّن في الخلايا الحرشفية في الطبقة الخارجية من الجلد.

– الورم المِيلانيني أو الصِّباغي melanoma: يتكوّن في خلايا تُسمّى الخلايا الصباغية أو الميلانينية melanocytes. تُنتِج هذه الخلايا المِيلانين melanin، وهو صِباغ بنّي اللون يمنح الجلد لونَه ويحميه من بعض أشعّة الشمس فوق البنفسجية الضارّة. وهذا هو النوع الأكثر خطرًا من سرطان الجلد، لأنّه يمكن أن ينتشرَ إلى مناطق أخرى من الجسم. وتكون العلامةُ الأولى الدالّة عليه غالبًا ظهورَ تغيُّر شكل أو حجم أو لون الشامة (أو الخال) أو الإحساس بها. وتأخذُ المنطقةُ اللونَ الأسود أو الكحليّ الغامق في معظم الحالات. كما قد يظهرُ الورمُ الميلانينيّ كشامةٍ جديدة أيضًا، ويمكن أن تكون سوداء أو مشوّهة أو قبيحة المنظر.

كما توجد أنواع أخرى من سرطان الجلد نادرة أو أقلّ شيوعًا هي: ساركومة كابوزي Kaposi sarcoma وسرطانة خلايا ميركل Merkel cell carcinoma وسرطان الغدة الدهنية sebaceous gland carcinoma والساركومة الليفيّة الجلديَّة الحَدَبيّة dermatofibrosarcoma protuberans.

معدّل الوقوع والانتشار

سرطانُ الجلد هو السرطان السابع عشر الأكثر شيوعًا في جميع أنحاء العالم؛ وهو يصيب حوالي 1 من كلّ 5 أشخاص في مرحلة ما من حياتهم في الولايات المتّحدة. ويعدّ نادرًا في المملكة العربيّة السعودية، ويبدو أنّ معظم الحالات تظهر بعد عمر 60 سنة، لاسيّما سرطانة الخلايا القاعدية.

الأسباب

السببُ الرئيسي لسرطان الجلد هو التعرّض المفرط لأشعّة الشمس، لاسيّما عند الإصابة بحُروق الشمس وظهور فقاعات. تتسبّب الأشعّة فوق البنفسجية الصادرة عن الشمس في إتلاف الحمض النووي الرِّيبي المنزوع الأكسجين DNA في الجلد، ممّا يؤدّي إلى تكوّن خلايا شاذّة غير طبيعية. تنقسم هذه الخلايا غير الطبيعية بسرعة وبطريقة غير منظّمة ولا منضبطة، وتشكّل كتلة من الخلايا السرطانية.

ما هي عوامل الخطر لسرطان الجلد؟

يمكن أن يُصابَ أيّ شخص بسرطان الجلد، بصرف النظر عن العرق أو الجنس، لكنّ بعض المجموعات تُصاب به أكثر من غيرها. يكون سرطان الجلد قبلَ سنّ الخمسين سنة أكثرَ شيوعًا عندَ النساء؛ ولكنّه، بعدَ هذا العمر، يكون أكثرَ شيوعًا عند الرجال. وهو أكثر شيوعًا عندَ ذوي البشرة البيضاء. ولسوء الحظ، غالبًا ما يُشخّص سرطان الجلد في مراحل متأخّرة عند الأشخاص من ذوي البشرة الداكنة، وهذا يجعل معالجته أكثرَ صعوبة.

ولكن، مع أنّ سرطان الجلد يمكن أن يُصيب أيّ شخص، غير أنّ خطر ذلك يزداد إذا كنت:

– تقضي وقتًا طويلًا في العمل أو البقاء تحت أشعّة الشمس.

– تتعرّض لحروق الشمس بسهولة أو لديك تاريخ من حروق الشمس.

– تعيش في مناخ مشمس أو مكان مرتفع.

– تُسمّر جلدك أو تستخدم أسرّة التسمير.

– لديك عيون فاتحة اللون وشعر أشقر أو أحمر وبشرة فاتحة أو بها نمش.

– لديك عدد من الشامات أو الوحمات غير المنتظمة الشكل.

– لديك تاريخ عائلي للإصابة بسرطان الجلد.

– خضعت لعملية زرع أعضاء.

– تتناول أدوية تثبّط أو تُضعِف المناعة لديك.

– تعرّضت للمعالجة بالأشعّة فوق البنفسجية لتدبير مشكلات جلدية مثل الإكزيمَة أو الصَّدَفية psoriasis.

الأعراض والعلامات

قد تبدو حالاتُ سرطان الجلد مختلفة جدًّا، وقد تختلف في أعراضها، بينما تشبه بعضُ الأعراض حالاتٍ أخرى. تتضمّن المظاهرُ الشائعة لسرطان الجلد وجودَ قرحة أو كتلة صغيرة أو منطقة من الجلد تتّصف بما يلي:

– لا تلتئم في غضون 4 أسابيع بعد أن تظهر لسبب لا يعرفه المريض، كالتعرّض لرضّ أو حرق أو ما إلى ذلك.

– تبدو غير مألوفة، شفّافة ولامِعَة أو ورديّة اللون أو بيضاء لؤلؤية. كما قد تبدو حمراء اللون. وقد تنطوي على خشونة وحواف مرتفعة.

– تؤلم أو تسبّب حكّة أو تنزف، أو تتكوّن عليها قشور على مدى أكثر من 4 أسابيع.

يميل سرطانُ الجلد غير الميلانيني non-melanoma skin cancer إلى التظهور على الجلد المعرّض لأشعّة الشمس غالبًا.

أمّا سرطانُ الجلد الميلانيني فيمكن الاشتباه به من خلال التغيّرات اللاحقة:

– عدم التناظر: يختلف شكلُ نصف الشامة الأوَّل عن شكل نصفها الثاني.

– التبارز: يجب أن يثيرَ ظهورُ تبارز في شامة قديمة الشكّ بتحولها إلى ورم خبيث.

– الحدود: تكون حوافّ الشامة مثلّمة أو مشرشرة وغير واضحة أو غير منتظمة.

– اللون: يكون لونُ الشامة غيرَ متجانس، وقد يتضمَّن مناطق من اللون الأسود والبنِّي والأسمر معًا.

ولذلك، فإنّ ملاحظة أيٍّ ممّا سبق في شامة قديمة ينبغي أن يثيرَ الاشتباه بتحوّلها إلى سرطان مِيلانيني، ولا بدّ من مراجعة الطبيب على الفور.

التشخيص

بعدَ الاشتباه بظهور آفة أو شامة غير معتادة، ومراجعة الطبيب، تقوم الخطوةُ الأولى للحصول على تشخيصٍ نهائي على أخذ عيّنة صغيرة من الموضع المُشتَبه، تُعرف باسم خزعة الجلد أيضًا، ودراستها تحت المجهر. هناك عدّة طرائق لأخذ الخزعة، بما في ذلك:

– خزعة بالحلاقة shave biopsy: تكون بإزالة الطبقات العليا من الجلد.

– خزعة بالمِقْراض punch biopsy: تُستخدَم أداة صغيرة على شكل قاطع بسكويت لإزالة عدّة طبقات من الجلد. ويُجرَى ذلك عادةً في الآفات التي يشتبه الطبيب في أنّها اخترقت الجلد بشكل أعمق.

– خزعة استِئْصالية excisional biopsy: تُستأصَل الآفة أو المنطقة المصابة بالكامل وتُفحَص.

وإذا كان يُعتقَد أنّ سرطان الجلد قد انتشر إلى المناطق المجاورة، فيمكن اللجوء إلى اختبارات وفحوص إضافية للحصول على صورة أكثر تفصيلًا عن مكان انتشاره؛ ويفيد ذلك في تحديد المرحلة وبناء الخطّة العلاجيّة.

المعالجة

يُعالج سرطانُ الجلد غير الميلانيني بطرائق مختلفة، ويعتمد ذلك على:

– نمط السرطان وحجمه وموقعه.

– الصحّة العامّة للمريض.

– انتشار أو عدم انتشار السرطان إلى أجزاء أخرى من الجسم.

– إذا أزالت الخزعة الاستئصالية السرطان بالكامل، فقد لا يحتاج المريض إلى أيّ معالجة أخرى.

معالجة البُقَع الشَّمسية وسرطان الجلد السَّطْحي

يُستخدَم عددٌ من المعالجات للتعامل مع البقع الشمسية sunspots، وكذلك سرطانات الجلد. قد تحتاج بعضُ البقع الشمسية إلى المعالجة إذا كانت تسبِّب أعراضًا أو لمنع تحوّلها إلى سرطان.

يُطلَق على سرطان الجلد الذي يصيب الخلايا الموجودة على سطح الطبقة العليا من الجلد اسم سرطان الجلد السطحي. تشتمل الخيارات العلاجية لسرطان الخلايا القاعديّة السطحي وسرطان الخلايا الحرشفية الموضعي (داء بُوين Bowen’s disease) على التجريف والتجفيف الكهربائي (المعروف باسم الكيّ cautery) والتَّجْميد والمراهم الموضعيّة وما يُسمّى المعالجة الضوئية الديناميكية photodynamic therapy.

لا يُلجأ إلى الجراحة دائمًا لمعالجة سرطان الخلايا القاعدية السطحي وسرطان الخلايا الحرشفية الموضعي. ولكن، يمكن اللجوء إليهما إذا كان التشخيص غير مؤكّد، أو كانت المنطقة النسيجية غير الطبيعية لا تستجيب للمعالجات غير الجراحية.

سرطان الجلد الصعب المعالجة والمتقدّم

ينتشر عدد قليل جدًّا من سرطانات الخلايا الحرشفية وعدد أقلّ من سرطانات الخلايا القاعدية إلى العقد اللمفية المجاورة أو مناطق أخرى من الجسم. ولمعرفة ما إذا كان سرطان الجلد قد انتشر، يفحص الطبيب تلك العقد، وقد يوصي بأخذ خزعة منها أو بإجراء اختبارات تصويرية أو فحوص أخرى.

وقد يُحال المريضُ إلى اختصاصي أورام، حيث يشرح له الخيارات العلاجية الممكنة التي قد تشتمل على الجراحة أو المعالجة الشعاعية أو الأدوية مثل المعالجة المناعية أو الموجّهة أو الكيميائية. وقد يُلجأ إلى المعالجات الدوائية كالمعالجة المناعية قبل أو بعدَ الجراحة في بعض أنواع السرطان، أو يُلجَأ إلى ذلك بدلًا من الجراحة أو المعالجة الشعاعية عندَ بعض الأشخاص.

المضاعفات

تشتمل المضاعفاتُ المحتملة لسرطان الجلد على ما يلي:

– النزف والتقرّح.

– الألم والتورّم.

– التندّب.

– تلف الأعصاب الذي يؤدي إلى فقدان الإحساس.

– عدوى الجلد.

– الانتكاس: حيث يعود السرطان بعدَ إزالته؛ وقد يكون الانتكاس موضعيًّا، حيث تنتشر الخلايا السرطانية إلى الأنسجة المحيطة.

– النّقائل: حيث تنتشر الخلايا السرطانية إلى العضلات أو الأعصاب أو الأعضاء الأخرى في الجسم.

الوقاية

تكون الوقاية من سرطان الجلد من خلال:

– البقاء في الظلّ، لاسيّما في أوقات اشتداد أشعّة الشمس.

– ارتداء ملابس تغطّي الذراعين والساقين.

– ارتداء قبّعة ذات حافة عريضة لتظليل الوجه والرأس والأذنين والرقبة.

– ارتداء نظّارات شمسية تغطّي وتحجب الأشعّة فوق البنفسجية من النمط UVA و UVB.

– استخدام واقٍ من الشمس واسع الطيف بعامل حماية SPF يبلغ 15 أو أعلى.

– مراجعة الطبيب عند ملاحظة أي تغيّر في شامة قديمة، أو ظهور آفة غريبة الشكل وعدم شفائها خلال مدّة قريبة.

المراجع

https://my.clevelandclinic.org/health/diseases/15818-skin-cancer

https://www.wcrf.org/preventing-cancer/cancer-statistics/skin-cancer-statistics/

https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC6074189/

https://www.cancerresearchuk.org/about-cancer/skin-cancer

https://winshipcancer.emory.edu/cancer-types-and-treatments/skin-cancer/diagnosis.php

https://www.molemap.net.au/skin-cancer/sunspot-or-skin-cancer

https://www.medicalnewstoday.com/articles/sunspots-on-face#overview

https://www.healthline.com/health/skin-cancer

https://www.cdc.gov/skin-cancer/prevention/index.html

شارك المقال :

مقالات ذات صلة

الهوس

الهَوَس mania هو حالة نفسية تتميّز بارتفاع مفرط أو تهيّج غير طبيعي في المزاج والطاقة والنشاط، وقد تؤثّر بشكل كبير في قدرة الفرد على أداء

إقرأ المزيد

الفُصام

الفُصام أو انفصام الشخصية schizophrenia اضطرابٌ نفسي معقّد يؤثّر في تفكير الشخص وشعوره وتصرّفاته أو سلوكه؛ وغالبًا ما يفقد المصابون به الاتّصال بالواقع، ممّا يسبّب

إقرأ المزيد

اكتشاف المزيد من وريد

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading